صباح الأحد، يبدأ اجتماع مراجعة الأداء الأسبوعي. كل المؤشرات على لوحة المعلومات خضراء، وتحديثات المشاريع تبدو واثقة. لكن في موقع العمل، وفي مركز الاتصال، وعند نافذة خدمة العملاء، يعرف الموظفون عن إعادة العمل والحلول الالتفافية والتأخير الذي لا يصل أبدًا إلى طاولة الاجتماع.
جلس معظم ممارسي التحسين المستمر في الخليج في هذه الغرفة. تبدو البيانات جيدة لأن الأخبار السيئة صُفّيت قبل أن تصل إلى القمة. التحسين المستمر يعتمد على ظهور المشكلات، وحين يتوقف الناس عن طرحها يتوقف التحسين أيضًا، بهدوء ودون أن يلاحظ أحد.
لماذا يصمت الناس؟
1. يُلام حامل الخبر بدل معالجة الخبر. إذا كان السؤال الأول بعد طرح أي مشكلة هو «من فعل هذا؟»، يتعلم الناس سريعًا أن الصمت أسلم.
2. الكلام مكلف والصمت مجاني. قد يعني طرح المخاوف اجتماعات إضافية، أو حديثًا محرجًا مع المدير، أو أثرًا على التقييم السنوي. أما الصمت فلا يكلف شيئًا، اليوم على الأقل.
3. لا أحد يعرف أين تذهب المشكلات. حين تكون قنوات الإبلاغ غير واضحة أو مربكة، تبقى المخاوف في الممرات ومجموعات الواتساب بدل أن تصل إلى من يستطيع التصرف.
وفي بيئات العمل القائمة على الهرمية والعلاقات، وهي شائعة في منطقتنا، قد تتضاعف هذه الأسباب الثلاثة. احترام الأقدمية قيمة نعتز بها، لكنه قد يصعّب على مهندس شاب أن يقول لمدير عام إن الخطة لن تنجح.
مثال واقعي: مراجعة ثقافة السلامة في بوينغ
في فبراير 2024، نشرت لجنة خبراء شكّلتها إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) مراجعتها لثقافة السلامة في شركة بوينغ. كانت اللجنة قد أُنشئت بعد حادثتي طائرات 737 ماكس المميتتين في 2018 و2019، وصدر تقريرها بعد أسابيع من انفصال لوحة باب من طائرة 737 ماكس 9 جديدة تابعة لشركة ألاسكا إيرلاينز أثناء الطيران في 5 يناير 2024.
وبحسب ما نقلته NBC News وCNN، راجعت اللجنة آلاف الوثائق وأجرت مقابلات مع أكثر من 250 موظفًا. ووجدت «انفصالًا» بين الإدارة العليا وبقية الموظفين، و«ترددًا في الإبلاغ عن مخاوف السلامة خوفًا من الانتقام». كما وجدت أن إجراءات السلامة والتدريب عليها كانت مربكة بين المواقع والفرق المختلفة، وهو ما قد «يُثني الموظفين عن تقديم مخاوفهم المتعلقة بالسلامة» بحسب التقرير. وخرجت اللجنة بـ27 نتيجة و53 توصية.
وبعد يومين، في 28 فبراير 2024، منحت إدارة الطيران الفيدرالية بوينغ مهلة 90 يومًا لتقديم خطة لمعالجة مشكلات الجودة، وفق وكالة أسوشيتد برس. وقال مدير الإدارة مايك ويتاكر إن على بوينغ «الالتزام بتحسينات حقيقية وعميقة». أما بوينغ فقالت إنها اتخذت «خطوات مهمة لتعزيز ثقافة سلامة تمكّن جميع الموظفين وتشجعهم على إسماع أصواتهم»، وأضافت: «لا يزال هناك المزيد من العمل».
الدرس لقادة التحسين المستمر لا يخص الطيران وحده: قد تملك المؤسسة إجراءات وأنظمة وأدوات إبلاغ على الورق، ومع ذلك لا تسمع ما يعرفه موظفوها.
دروس لقادة التحسين المستمر
1. راقب ما يحدث بعد أن يتكلم أحدهم. كما يقول مارك غرابان، السؤال الأهم ليس «لماذا لا يتكلم الناس؟» بل «ماذا يحدث حين يتكلمون؟». هذا الأسبوع، اشكر أمام الفريق أول شخص يطرح مشكلة، وأخبره بما سيتم بشأنها.
2. اجعل طريق المشكلات بسيطًا ومرئيًا. طريقة واحدة واضحة لطرح المشكلة، ومسؤول واحد عنها، وحالة يراها الجميع. إذا لم يرَ الناس ما حدث لملاحظتهم السابقة، فلن يطرحوا التالية.
3. اسأل عن العملية لا عن الشخص. استبدل «من أخطأ؟» بـ«ما الذي في العملية سمح بحدوث هذا؟». أدوات تحليل السبب الجذري لا تنجح إلا حين يثق الناس بأن الإجابة لن تُستخدم ضدهم.
كيف تعالج منظومة تحسين هذا التحدي
لا تستطيع أي منصة أن تصنع الثقة وحدها؛ فالقادة هم من يصنعونها. لكن البنية الصحيحة تجعل ظهور المشكلات وحلها أسهل بكثير.
• منصة واحدة من الميثاق إلى النتائج: لكل مشروع تحسين على منصة تحسين مسؤول واضح، وإجراءات متابَعة، ولوحات معلومات حية. تُسجَّل المشكلات حيث يراها كل المعنيين، فلا تضيع ملاحظة الفريق في سلسلة رسائل بريد إلكتروني.
• ورش ميثاق المشروع: يبدأ الميثاق الجيد ببيان مشكلة صادق تدعمه الحقائق. تساعد ورشنا الفرق على تسمية المشكلة الحقيقية، والاتفاق على النطاق، وضمان راعٍ قبل بدء العمل.
• تدريب ممارس اللين (5 أيام): يتدرب المشاركون على حل المشكلات بطريقة منهجية تركّز على العملية لا على اللوم، وهي العادة التي تجعل الكلام آمنًا.
• إرشاد المشاريع: يعمل مرشد من تحسين إلى جانب قادة المشاريع ورعاتها أثناء المراجعات، ويساعدهم على استقبال الأخبار السيئة بالأسئلة لا بالأحكام.
كل ذلك متاح باللغتين العربية والإنجليزية، ومصمم لطريقة عمل المؤسسات في الخليج.
شاركنا رأيك
في مؤسستك، ماذا يحدث لأول شخص يطرح مشكلة؟ شاركنا تجربتك في التعليقات.
اعرف المزيد على tahseen.om